بالصدى : حوامل مع وقف «التوليد»

وحيد مبارك

يوم واحد، كان كافيا ليؤكد بونا شاسعا، بين الخطاب الرسمي وبين حقيقة الواقع. 24 ساعة وبضع ساعات هي المساحة الزمنية التي فصلت بين تصريح رسمي لوزير الصحة أمام جمع من الموظفين بمقر إداري، وبين واقعة ولادة جرت بين مستشفى عمومي وسيارة «نقل للأشخاص»، كان من الممكن أن تكون عادية وألا تلفت الانتباه لو تحمل كل مسؤول مسؤوليته، لو كان المستشفى جاهزا للتعامل مع الحالات التي تفد عليه، لو تم تنزيل كل الشعارات وتوفير الظروف المناسبة لأجرأتها ميدانيا حتى تنعكس إيجابا على صحة المواطنين لا سلبا، وقد تتسبب لهم في مضاعفات صحية وخيمة، أو قد تحكم عليهم بالموت؟
يوم الجمعة 8 مارس، وجّه أناس الدكالي كلمة إلى نساء الوزارة محتفيا بهن، ومن خلالهن إلى كافة الأطر إلى أطر على الصعيد الوطني، وحث الجميع بالمناسبة على إيلاء العناية لنساء الأرياف والقرى، والعمل على تحسين الوضع الصحي للمرأة القروية، و»تحمل الأمراض المزمنة والتوجه نحو العلاجات المتقدمة في حالة الضرورة». توجيه وزاري سبقه تصريح رسمي للوزير أكد من خلاله أن «أمد الحياة عند النساء قد عرف ارتفاعا، إذ انتقل من 72 إلى 76.4 سنة، في حين أنه عند الرجال يقف عند حدود 68 سنة»، وبأنه وفقا لإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن «مؤشرات الأمل في الحياة عند الولادة قد عرفت تطورا ملحوظا خلال الفترة مابين 2004 و 2014»، وبأن «وفيات الرضع قد عرفت بدورها انخفاضا خلال سنة 2018 ، بنسبة 35 في المئة مقارنة بسنة 2010، أي بمعدل 72.6 وفاة بالنسبة لـ 100 ألف ولادة مقابل 12 سنة 2010».
أرقام رنانة، لا يمكن للمتلقي إلا أن يُسرّ بها، وأن يحس بالاطمئنان على المرأة المغربية وعلى المواليد الجدد، في وقت كانت الإحصائيات التي تخص وفيات النساء الحوامل أثناء الوضع وكذا وفيات المواليد الجدد ترعب، حين تتحول لحظة المفروض أنها عنوان للفرح ولاستقبال حياة جديدة، إلى لحظة حزن تجثم على الصدور، وقد تكون عنوانا على انهيار وتفكك أسر، وضياع أطفال، واللائحة طويلة من التبعات السلبية التي تترتب عن ولادة طبيعية، وينجم عنها ما ليس طبيعيا، إذا ما افتقدت آليات التدخل الاستعجالي، وإذا ما غابت الشروط الصحية للولادة!
هذه الأرقام تفقد بريقها بشكل سريع، متى طفت على السطح حالة ولادة لم تمر بالكيفية التي كان يجب أن تكون عليها، إذا فقدت خلالها أسرة تلك الحامل، التي قد تكون زوجة، وقد تكون أيضا أما، وهي في نفس الوقت ابنة، وكلما كانت تحمل صفة إضافية كلما كان حجم الأسى والألم أكبر، وكلما اتسعت دائرة الحزن. أرقام تصبح غير ذات معنى أو جدوى، حين تكون الحامل وجنينها على مسافة شعرة رفيعة مع الموت، وتتدخل العناية الإلهية لإنقاذهما، وهو نفس ما وقع يوم السبت9 مارس 2019، حين حلّت «حكيمة» بالمستشفى الإقليمي ببنسليمان، حوالي الساعة الثامنة ليلا، قادمة إليه من دوار اولاد وهاب جماعة الزيايدة، بعد أن ساورها المخاض، وعوض أن تضع مولودها تحت مراقبة طبية، تم توجيهها صوب مستشفى ابن سينا بالرباط، وفقا لتأكيد صهرها، وهو محامي بهيئة الدارالبيضاء، الذي وأمام ما وقع لزوجة أخيه، قرّر أن يتقاسم تفاصيل الواقعة مع غيره.
توجيه لم يكن أمام الأسرة إلا أن تمتثل له، فدفعت لسائق سيارة تحمل إسم «الإسعاف» مبلغ 200 درهم من أجل ملء جوفها بالبنزين، وتم وضع المرأة على «بياص» بدون حزام يحول بينها وبين السقوط، بسبب السرعة والمطبّات والمنعرجات، وبدون مرافقة طبية أو تدخل يخفّف عنها الآلام، ويسعفها في حال وقوع مضاعفات، فقط حماتها ووالدة زوجها التي كانت إلى جانبها، في حين كان زوجها يتعقبها على متن سيارة من الخلف مرفوقا بابنه الذي يبلغ من العمر 5 سنوات. قطعت السيارة حوالي 5 كيلومترات بعيدا عن المستشفى وفي لحظة من اللحظات فوجئت الجدة بمغادرة الجنين أحشاء والدته التي كانت تئن ألما قبل ذلك، ولم تجد ما تقوم به داخل فضاء مظلم مفتقد للإنارة، غير أنها دعت السائق للتوقف، مما جعل الزوج بدوره يقف على قارعة الطريق ويسرع لتفقد الأمر، ففوجئ بمشهد الدماء تنزل غزيرة من زوجته، ووالدته تمسك الرضيع والحبل السري يربطهما معا، فما كان منه إلا أن عاد إلى السيارة بتوجيه من الجدة التي كانت قد حملت معها سكينا وخيطا «للطوارئ» ومن «باب الاحتياط»، فتبيّن سداد رأيها حيث فصلت الرضيع عن والدته، وربطت الحبل، قبل أن تقفل سيارة «الإسعاف» عائدة إلى المستشفى، وهناك وقعت تفاصيل أخرى؟
واقعة أليمة، كان من الممكن على إثرها أن تغادر «حكيمة» الحياة، وأن يفارق فلذة كبدها هو الآخر الدنيا دون أن يتمكن من فتح عينيه عليها، في حين كان من الممكن تجاوز ذلك السيناريو «الهيتشكوكي» الذي وقع، لو تم الاحتفاظ بها بالمستشفى ووضعت مولودها تحت إشراف «طبي» وفي فضاء «صحي»، عوض أن تلد في غياب أية وسائل وقائية، وبفضاء بدون تعقيم.
حالة تنضاف إلى حالات كثيرة، وقعت في أكثر من مناسبة، فضّلت خلالها بعض «القابلات» توجيهها إلى المستشفيات الجامعة، في الدارالبيضاء كما في الرباط، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جاهزية وصلاحية هذه المستشفيات، التي من المفروض أن تتعامل مع الحالات المرضية المختلفة باستثناء تلك المستعصية، التي يجب أن يكون عددها استثنائيا، لا أن يصبح الاستثنائي هو القاعدة، ويصبح في غياب طبيب مداوم مختص، أو بسبب مزاجية معينة، التخلص من المرضى وتوجيههم إلى مستشفيات أخرى هو السائد؟

الكاتب : وحيد مبارك - بتاريخ : 12/03/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.