خطاب 20 غشت … انطلاق قطار الجهوية 

  عبد السلام المساوي 

لقد تحققت لبلادنا، منذ حكومة التناوب، عدة مكتسبات، وتحققت بشكل متواصل خلال سنوات العهد الملكي الجديد، مكتسبات مرتبطة بالذات، وبتقوية الذات المغربية، وذلك من خلال مبادرات ملكية أساسية ورائدة، مبادرات جعلت المغاربة ينخرطون في التطور المنشود لتقوية أواصر الانسجام المجتمعي، وهم يتأكدون من وجود إرادة فعلية في تعميق توجه المصالحة لفائدة مستقبل البلاد ككل .

وهذا التوجه، توجه المصالحة مع الذات، طبع العلاقات مع الأقاليم، إن ديناميكية مستقبل المغرب رهينة بالبحث عن نوع من التوازن بين الجهات والاعتراف بالبعد الوطني لكل المناطق المكونة للمملكة. وفي هذا الاتجاه برز الاتجاه الجديد لتوظيف الجهوية لإعطاء المغرب أداة جديدة لتقوية وحدته، من خلال الإقرار بوجود خصوصيات جهوية تكون عامل تمنيع وحدة البلاد، والاعتراف بمتطلبات إمكانيات الإنتاج والإبداع والابتكار داخل مختلف الجهات، أخذا بعين الاعتبار التطورات الحديثة في التدبير الترابي للأمم، وكذلك إبراز ترسخ النهج الديموقراطي المغربي في ارتباطه مع مستلزمات تمتيع كل جهات البلاد بمقومات المشاركة في مجهود التنمية المستديمة وتطوير قدراتها الداخلية .
إن المغرب اختار الجهوية كأداة لتطوير التنظيم الداخلي، ولكن اعتمدها أيضا كمنظور تنموي مندمج، اختار الجهوية كمنهجية للعمل ومنهجية لوضع تصور استراتيجي خاص بمستقبل الجهات ببلادنا، وكإطار استراتيجي لتعزيز المكاسب، هذا التعزيز الذي يقتضي فتح آفاق جديدة في العمل السياسي ببلادنا .
إن المغرب عندما اختار الجهوية، فإن اختياره لم يحدد فقط من خلال أسباب مجالية فقط، أو اقتصادية فقط ، بل اختار الجهوية كمدخل لإصلاح الدولة المغربية. إن إصلاح الدولة المغربية من خلال البناء الجهوي، ومن خلال اعتماد الجهوية هو الذي سيعزز دمقرطة الدولة المغربية، وهو الذي سيساعد على إرساء الأرضية الصلبة لتصبح الدولة المغربية في خدمة المجتمع المغربي. فتطوير الجهة يعد مدخلا بنيويا للإصلاح السياسي العام ببلادنا. إن بناء المغرب على أسس متقدمة يقتضي تمكين الجهة من كل أنواع السلطات لتكريس الفعل الديموقراطي ، بما فيها السلطات السياسية، وهذا يفرض تأهيل المؤسسات الجهوية، وهو معطى رهين بتطور البناء الديموقراطي ببلادنا. نؤكد ضرورة إنضاج الشروط التي تمكن الجهة من أن تصبح سلطة فعلية في الجوانب التي تهم الحياة العامة للمواطن إذا أردنا الاستمرار في بناء دولة الحق والقانون، وهذا يعني إعادة توزيع السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية.
تأسيسا على هذا كله، نعتبر هذا الاختيار وهذا التصور من شأنه أن يجعل من الجهوية إطارا لتحفيز المواطنين على المشاركة في تدبير شؤونهم، وإطارا مناسبا لجعل المواطن المغربي يشعر بقوة انتمائه، محليا، جهويا ووطنيا. إن الجهوية، إذن، ستساعد على محتوى ملموس للمواطنة .
إن تفعيل ورش الجهوية بات حاجة وطنية ملحة من أجل تحقيق التنمية الشاملة، فالجهوية هي المدخل لتحقيق تنمية مستدامة، وهذا هو الخيار الذي يراهن عليه المغرب، لكن ذلك يتطلب إرادة حقيقية وانخراط الجميع في إنجاح هذا الورش .
وجلالة الملك الذي بدا متفائلا، في خطاب 20 غشت، بكسب رهانات المرحلة المقبلة، يراهن على هذا الورش لتحقيق التنمية المستدامة. يقول جلالته في خطاب ثورة الملك والشعب: « .. إننا نعتبر أن التطبيق الجيد والكامل للجهوية المتقدمة، ولميثاق اللاتمركز الإداري، من أنجع الآليات التي ستمكن من الرفع من الاستثمار الترابي المنتج، ومن الدفع بالعدالة الاجتماعية .»
غير أنه بالرغم من النصوص القانونية التي راكمها المغرب بخصوص ورش الجهوية، فإن الأمور لا تسير كما كان مسطرا لها، يقول جلالة الملك « إلا أن الملاحظ رغم الجهود المبذولة والنصوص القانونية المعتمدة، أن العديد من الملفات، لا تزال تعالج بالإدارات المركزية بالرباط، مع ما يترتب عن ذلك من بطء وتأخر في إنجاز المشاريع، وأحيانا التخلي عنها .
وفي هذا الإطار أدعو الحكومة لإعطاء الأسبقية لمعالجة هذا الموضوع، والانكباب على تصحيح الاختلالات الإدارية، وإيجاد الكفاءات المؤهلة، على المستوى الجهوي والمحلي، لرفع تحديات المرحلة الجديدة .»
لم يعد أمام قطار الجهوية سوى الانطلاق بشكل سليم، بعدما تم ترصيص سكته بكامل المراسيم التطبيقية، كان آخرها ميثاق اللاتمركز الإداري الذي يتطلب، اليوم اكثر من أي وقت مضى، أطرا قادرة على اتخاذ القرار في المكان عينه، للقطع مع سياسة « وسير لرباط « كي توافق الإدارة المركزية على إنجاز مشاريع تنموية، التي تتأخر دائما بمختلف مناطق المغرب جراء سيادة البيروقراطية، فما زالت الإدارة المركزية تهيمن على الكثير من المجالات المفروض تفويتها للجهات بحكم القانون …
في ما يخص، اذن، الجهوية واللاتمركز الإداري، دعوة جلالة الملك في خطاب ثورة الملك والشعب، كانت واضحة وصريحة للحكومة من أجل إعطاء الأسبقية لتنزيل هذا الورش لرفع تحديات المرحلة الجديدة .
وإن هذا التوجيه الملكي، يقول محمد بنعبد القادر، وزير الإصلاح الإداري والوظيفة العمومية « يجعلنا في اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري أكثر حرصا على نقل الاختصاصات ذات الطابع التقريري على مستوى طلبات الرخص والتصاريح وملفات الاستثمار .»
إن التوجيه الملكي، يؤكد بنعبد القادر، بخصوص اللاتمركز الإداري، في خطاب 20 غشت، سيعطي نفسا قويا لتدخل الحكومة، في هذا الورش ، ويعزز عمل اللجنة الوزارية من حيث اعتماد الجرأة اللازمة في نقل الاختصاصات التقريرية إلى المصالح الخارجية .
إن المسؤولية مشتركة، لذلك فإن جلالة الملك شدد في بداية الخطاب على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية وإدماجية، في معالجة القضايا الكبرى للبلاد، تنخرط فيها جميع القوى الحية للأمة …

 

الكاتب :   عبد السلام المساوي  - بتاريخ : 27/08/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.