نبض المجتمع : الإحسان .. وصدارة «التكفل الاجتماعي»

حميد بنواحمان

«تعتمد مؤسسات الرعاية الاجتماعية في تمويلها على الإحسان بدرجة أولى، ثم على منحتي مؤسسة التعاون الوطني ووزارة التضامن ودعم الجماعات الترابية وبعض المؤسسات العمومية، وكذا على مجهود وقدرة الجمعيات على استقطاب موارد أخرى» و» شكل المورد الأساسي لتمويل المؤسسات التي تعنى بالأشخاص في وضعية صعبة خلال الفترة 2012-2016 ، حيث بلغت نسبته 50,98% من مداخيلها متبوعا بالدعم العمومي، بما نسبته 37,20% « .
إنها إحدى الخلاصات، ذات الدلالات»الثقيلة»، المتضمنة في تقرير أخير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن أوضاع «مؤسسات التكفل الاجتماعي» ، على امتداد جغرافية البلاد، والمتمثلة في التأكيد ، مرة أخرى ، على المنزلة الكبيرة التي تحتلها «المبادرة الإحسانية « داخل «المجال الاجتماعي « بلبوسه المتعدد الأوجه.
خاصية ليست بالأمر الجديد، إذ بفضلها ، وطيلة عقود ماضية ، غادرت مشاريع عديدة إطار التنظير ، الذي تؤشر عليه التصاميم المنجزة ورقيا أو «حاسوبيا « ، لكي تتجسد على أرض الواقع بشتى تمظهراته « اجتماعيا ، اقتصاديا ، رياضيا ، تربويا…»، وذلك بالنظر
لتجذر هذا السلوك المتميز في تربة قيم ديننا الحنيف ، القائمة على خصال التآزر والتعاضد والتعاون… بين أبناء المجتمع الواحد . سلوك يستهدف «تدارك وتتميم نقائص» مشروع «رسمي « ، في هذه المدينة أو تلك ، هذا المجال القروي أو ذاك ، أو التكلف بتشييده كاملا تحت إشراف الجهة الرسمية المختصة – من وزارة معينة ومديرياتها الإقليمية في مختلف الجهات – وفق الاختصاصات الموكولة لهذا القطاع أو غيره ، في سياق «التسابق « على فعل الخير الذي لا يتغيا من ورائه أصحابه – بطبيعة الحال – «جزاء ولا شكورا».
فهذه أرقام صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تثبت حقيقة «المعطى» المتحدث عنه ، حيث أنه « خلال سنة 2015، بلغ عدد المساجد المبنية، 204، شيد منها المحسنون 177 مسجدا مقابل 27 تكلفت ببنائها الوزارة «، وتواصل تشييد « بيوت الله « من قبل المحسنين ، برسم سنة 2016 ، حيث فتحت أبواب 172 مسجدا في وجه المصلين بفضل مساهمات 169 محسنا»، إلى جانب الإسهام في إصلاح «جوامع» عدة و»تفريشها « والسهر على نظافتها .
في السياق ذاته ، وبالقطاع الصحي ، يحضر «الإحسان» عبر تجهيز أقسام مستشفيات بأسرة و»بطانيات» يستعين بها المرضى على مواجهة البرودة القاسية – كما هو حال فصل الشتاء الأخير – اعتمادا على ما يجود به «بيت مال» هذا المحسن أو ذاك. بل إن مئات العمليات الجراحية المبرمجة في مراكز استشفائية» عديدة، لا يكتب لها الإجراء إلا بفضل تدخل «فاعلي الخير»، بعد أن ينصح الطبيب المعالج ، أو الممرض ، أسرة المريض ، أو المريضة ، بطرق « قلوب « محبي فعل العمل الطيب ، مادامت إمكانيات «المستشفى « لا تسعف في القيام بالتدخل الجراحي بشكل مستعجل، إذ أن هناك لائحة طويلة من المنتظرين بعضهم يترقب الموعد لستة أشهر أو يزيد. وهي الحقيقة المرة التي تستشف من نداءات الاستغاثة المنشورة في الصفحات الاجتماعية للجرائد الورقية ، والمبثوثة إذاعيا ، أو بواسطة «فيديوهات» ، تنطق بكل معاني «القسوة»، تحبل بها وسائل الاتصال الاجتماعي والمواقع الإلكترونية .
وعلى صعيد «قطاع التعليم «، هناك أقسام مدرسية ، خصوصا في النفوذ الترابي القروي وبضواحي بعض المدن الكبرى ، يتوقف ، أحيانا ، إتمام تجهيزها أو إصلاح وترميم المتداعي من بنيانها ، على تحركات جمعية آباء وأمهات التلاميذ ودق باب بعض المحسنين لكي لا يبقى فلذات الأكباد، بمعية مدرسيهم، عرضة للتقلبات المناخية وما يرافقها من أخطار، دون إغفال الدور الحاسم للمبادرات الإحسانية في ما يخص استمرار مؤسسات دور الطالب والطالبة في استقبال أبناء الفئات الهشة في أكثر من منطقة، والحيلولة دون إغلاق أبوابها في وجوههم مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات مدمرة على مستقبلهم.
دور المسنين، و دور «الأيتام» ، وغيرها من المؤسسات ذات الوظيفة الاجتماعية، والتي باتت الحاجة إليها في تزايد، جراء اتساع دائرة الفقر وشمولها لفئات اجتماعية جديدة، كانت ، إلى عهد قريب، في منأى عن العوز، لا تستطيع أداء المهام المنوطة بها دون «تدخلات خيرية» ، سواء كانت بصيغة عينية أو نقدية، لدرجة أن مستوى الخدمات المقدمة من قبل هذا النوع من المؤسسات ، صار مرادفا لمستوى حضور «الفعل الإحساني» ، فإذا كان هذا الأخير ذا وزن ثقيل، كانت الرعاية «رفيعة « وتستجيب للحد الأدنى من الشروط المطلوبة ، أما إذا كانت غير ذلك ، فإن النقائص تصير مكشوفة للعيان. خلاصة أكدتها نتائج الزيارات الميدانية لقضاة المجالس الجهوية للحسابات لعدد من مؤسسات الرعاية الاجتماعية ، المعلن عنها في التقرير المشار إليه أعلاه .
أمثلة كثيرة ، على طول البلاد وعرضها ، يمكن الاستشهاد بها كمؤشر على تحول «مبادرات الإحسان» من طابع الاستثناء الذي يلجأ إليه ، من حين لآخر قصد سد نقص ما في هذا المشروع أو ذاك ، إلى «قاعدة « لا غنى عنها لمواصلة أكثر من « مؤسسة اجتماعية « القيام بمهامها النبيلة ذات الوقع الحسن على شرائح واسعة من المجتمع.
واقع لا يملك المرء، أمامه، سوى التضرع إلى العلي القدير أن يحفظ خصلة الإحسان – بالمعنى السامي للكلمة – من حسابات» المتربصين» ، الطامعين في تحقيق «مقصد دنيوي «، والذين لا يخجلون من التشويش على كل «عمل رفيع « ، من خلال الترويج لادعاءات ومزاعم تحاول» تحريفه» عن سكته القويمة التي لا «منعرجات « فيها!

الكاتب : حميد بنواحمان - بتاريخ : 15/05/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.