هذا اليسار.. هو النحن

بديعة الراضي

 

نتفهم حجم قلقكم، الناتج عن توهمكم، عندما اعتقدتم بكثير من التقوقع في الذات، أنكم قادرون على استعمال تربتنا، وآبار مياهنا التي ظلت تسقي وردة،مروجين في خطاب مفهوم جدا، أنها تحتضر، وأنكم قادمون من فوق نعشها، قادرون على أن تدوسوا بأحذيتكم الملمعة جدا، كل تلك الرؤوس التي انتصبت ضد أي انحراف في المسار، الذي حققنا انتقالاته في الزمن الصعب وفي كافة الأزمنة،تلك التي اخترتم أن تستفيدوا من مكتسباتها، مستغلين تداعياتها المؤسساتية والمجتمعية في التلاعب، كي تكونوا في زمن قريب – من المحطة التي اخترنا أن ننخرط فيها في تدبير الشأن العام كيسار متشبع بقيم المواطنة – مع الظلام، في صف واحد، ضد قيم الحداثة، وذلك بالارتكان إلى الصمت بلغة الجبن، تاركين مناضلين ومناضلات اليسار المتجذر والمتشبع بقيم الحزب الاشتراكي الكبير، الحاضن الفعلي لقيم اليسار في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في مواجهة المد الأصولي والتقليدانية المستمدة من مشروع ظلامي، لا يقبل بالقيم التي تستعملونها وقت اللزوم، في صالوناتكم المكيفة أو في الثواني المعدودة، التي يتفضل الزمن السياسي بإعطائها لكم في عمل مؤساتي، كاد أن يرفضكم أمام اختياركم لغة الإديولوجيا البعيدة عن هموم الشعب، وعن حجم التحولات التي وقعت في المجتمع، كما وقعت في مجتمعات المحيطات الإقليمية والجهوية المجاورة.
وبرزتم في زمن الربيع وما بعده، والذي حملتم فيه سيوفكم، مثل تجار الربيع، هم قطعوا الأعناق والأرزاق في الجوار، كي يضعوا جيوشهم، وأنتم جربتم أشكالا أخرى، حالمين بقطع خيوط الحياة عن حزب الشهداء، وحزب البناء الديمقراطي والعمل المؤسساتي، كما حزب الوطن والمواطنة، مستعملين في ذلك كافة الدسائس، ووظفتم في ذلك حتى الغاضبين، والبعض من أبنائنا الذين واجهوكم في أغلبيتهم بالقول إن «الاتحاد بيتنا، ومن لا بيت له لا سقف له»، وأن «أرضه واسعة، وأن أرض لله محطة للعودة لا للرحيل».
لهذا أكرر أننا نتفهم «فراغكم»، وذلك الرحى الذي صدع مسامعكم، حتى تأكد لكم أنكم أداة لم تجد حبوبا كي تستفيد من عصارتها، رحاكم بدون زرع، اعتقدتم أن سوقا دخلتموها ستتيح لكم جلب ما تريدون، إلا أن تجار السوق فاجأوكم بحقيقة الاحتفاظ بما تبقى لهم بعدما عملتم بثقة كبيرة فيهم وفي الذات المريضة على حرق حقول كبيرة،نتيجة عدم تقدير حجم الكارثة التي ساهمت فيها أصابعكم، كما ساهم فيها انتفاخكم حتى أصبحتم بالونات لا قدرة لها إلا على السقوط بعد ثقبة صغيرة من مقدمة خرم إبرة صغيرة.
وأكرر أننا نتفهم منزلقاتكم، وردود الفعل التي تؤشر عنكم، كذاتيات معزولة، وخلقت أخرى، ثم أقفلتها، وصففت البعض فيها في الخط الواحد، ثم تفرقت تباعا، جراء رياح مسائية كسرت البعض من أبوابها، في مشهد يدعو – بالفعل – إلى الشفقة على حراسها.
ونتفهم قلقكم وقلقكن، في الرغبة الملحة أو الضرورة في استحضار اليسار الجذري الممثل في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكي تجلدوه، ثم تجلدوه، ثم تضعوا إسمه بالبنط العريض على قمصانكم وسترتكم لتحرقوه، بجنون القلق الذي أفقدكم صوابكم، حتى أصبحتم «تصرخون» في كافة الاتجاهات.
ونتفهم أن قلقكم وجنونكم زاد، عندما أصبح نباحكم غير قابل للاستعمال، بالرخص الذي وضعتم أنفسكم فيه، عندما نبهكم جلادنا الحقيقي إلى أن اللعبة انتهت، وأن صوت اليسار في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في المعارضة أو الحكومة ظل شعلة الوطن، بالدفاع عن قيم راسخة تخطو خطواتها بثبات نحو المستقبل الذي ينبغي أن يكون، يسار منسجم مع تطلعات الجماهير الشعبية، في التنمية بالدفاع عن العدل والحرية والكرامة وتعزيز دور المؤسسات في دولة الحق والقانون. لذا نذكركم أننا مستمرون بقناعة عبر عنها كاتبنا الأول ادريس لشكر أمام المجلس الوطني الأخير لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قائلا»..
«كنا في المعارضة،نحن اليسار،وإن كنا في الحكومة، سنبقى نحن اليسار، نحن اليسار الذي يشارك والذي يعارض، نحن اليسار الذي يخطئ ويصحح أخطاءه،نحن اليسار الذي يتراجع والذي ينتقد، نحن اليسار الوطني التقدمي، نحن اليسار الحداثي الديمقراطي،نحن اليسار العقلاني الواقعي ،نحن اليسار الذي يؤمن بالتدرج في النضال الديموقراطي، والذي ينفتح ويفاوض، ويحالف ويمد يده ، ويتعاون مع قُوى التقدم في هذا البلد من أجل تقدم هذا البلد…»

الكاتب : بديعة الراضي - بتاريخ : 06/10/2018

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.