هرطقات «زعيم»…

‮ عبد السلام الرجواني

حسبت يوما انه آخر الوجوه السياسية القادرة على اقناع العامة باقواله التي لم ترق يوما الى افكار مبدعةاو اطروحات فكرية وسياسية. عناصر القوة في خطابه التبسيط والبساطة والاختزال وضرب الأمثال المستوحاة من التراث الشعبي والاستشهاد بآيات القرآن الكريم واحاديث رسول الله (ص)، فضلا عن قفاشات وقهقهات ودموع. انها ادوات وتقنيات تواصلية مؤثرة تسحر السامعين وتأخذ بالباب المشاهدين، لا سيما الجمهور العريض الذي تغيب عنه ادوات التحليل العلمي للخطاب ويستعصي عليه اعمال النقد الموضوعي في ما يتلقاه من معلومة. ومما لا ريب فيه ان الطقوس المصاحبة للخطاب والدعاية التي يباشرها الجيش الالكتروني الداعم للزعيم عوامل تزيد من وقعه لدى المتلقي.
اعتمادا على هذه الاستراتيجية التواصلية، تمكن الزعيم فعلا ان يتحول الى ظاهرة تواصلية/سياسية آية في الشعبوية، التي أضحت في زمن الانحطاط الفكري والبؤس السياسي الطريق الأسهل لوجدان الجماهير المحبطة اجتماعيا واقتصاديا، والضائعة فكريا وسياسيا. ومن المعلوم ان من سمات الشعبوية الغلو في القول وتبخيس الآخر، ايا كان ذاك الآخر، اشخاصا ومؤسسات، والاعلاء بالذات وادعاء الطهرانية، وغيرها من سمات الطغاة الذين حاولوا ومنهم من نجح في ذلك، السيطرة على النفوس وتعطيل العقول، فرموا بمجتمعاتهم الى التدمير الذاتي وبالانسانية الى حروب لم تبق ولم تذر. نحمد الله ان «الزعيم/الفقيه» لا يملك قوة غيره من شعبويي العصر ووجد نفسه في دولة قوية ومجتمع منيع.
مارس الزعيم شعبويته وهو في المعارضة كما مارسها وهو رئيس حكومة، فسب وشتم وسخر وقهقه وبكى، «زاوق» وترجى، وهدد وتوعد، انحنى حتى غنم، وتطاول واستقوى على من كان ولي نعمته. كل ذلك ساعده على الارتقاء الى سدة الحكم والى تمكين حزبه من تصدر المشهد السياسي وطنيا ومحليا في سياقات وطنية وجهوية ودولية مواتية. واعتبرنا ان ذاك الصعود طبيعي وعادي في دولة تتطلع الى الديمقراطية، وانه من حق القيادة السياسية لاي حزب ان تختار الاستراتيجية التواصلية ونوع الخطاب الذي تراه انجع.
لكن ما لم يستوعبه الزعيم ان حبل الشعبوية في السياسة قصير قصر الكذب والخديعة، وان من سره زمن سياسي قد تحزنه ازمان. وكذلك كان مع الزعيم الذي لم يبق له سوى الاستدماع وكثير من الادعاء، فصار يهذي ويهرطق بلا رقابة ذاتية. ومن هرطقاته المنفلتة من الحكمة التي يجب ان تطبع سلوك رجال الدولة الحقيقيين:
أنه حامي الملة والدين وهو العارف ان المغرب بلد الاسلام والتسامح منذ قرون مضت، قبل ان يولد وقبل وجود اية زاوية او حركة دعوية،وان لا احدا وكله المغاربة شؤونهم الدينية ما عدا مؤسسة امارة المومنين وفق تعاقد تاريخي كان وما زال اساس الوحدة المذهبية للمغرب الاقصى الذي بقي بفضل ذلك بمنأى عن الطائفية الدينية والفتنة الروحية رغم كل محاولات الاختراق الوهابية …
وانه المدافع الغيور عن اللغة العربية وكانه لا يعلم بوجود اجماع وطني على اعتبار العربية والامازيغية لغتين وطنيتين رسميتين طبقا لاحكام الدستور وارتباطا بالهوية الثقافية. وبالمناسبة نسال الرجل: ما حظ الامازيغية من دموعك وبكائك؟
ومن هرطقات الزعيم انه لولاه لكانت الملكية مهددة وهو العارف ان الملكية في المغرب من ثوابت الامة وتملك من المشروعية التاريخية والدينية والسياسية ما لا تملكه اية حركة دينية او سياسية اخرى، وان للدولة المغربية مؤسسات وطيدة قادرة على مواجهة كل التحديات. قوة الدولة بمؤسساتها المختلفة لا تتناقض اطلاقا مع حق الشعب في التنظيم والتظاهر والاحتجاج كما حصل مع حركة 20 فبراير ومع كل الحركات الاحتجاجية المشروعة. اننا نسعى الى الديمقراطية الحق التي تقر التعددية والاختلاف الفكري والسياسي ضمن الثوابت المؤسسة للامة والدولة. وليعلم الفقيه ان الحركات الاحتجاجية ببلدنا ضد السياسة الحكومية التي كان مهندسها ولم تكن ابدا ضد الملكية.
بدون حياء ولا مروة لا يكف الرجل عن الادعاء بان قياديا في هذا الحزب او ذاك طلب منه توزبره مستدلا على ذلك بحديث عابر في ممر او بهو. وذاك لعمري قمة الصبيانية. من شيم رجال الدولة الكبار حفظ اسرار المجالس كلها فما بالك بحديث عابر قد يكون مجرد مزحة. انه الخبث بعينه.
وحرصا منه على ذكر الاتحاد الاشتراكي بسوء بمناسبة ام بدونها من باب « سقطت الطائرة في الحديقة»، قال الزعيم النواح ان الكاتب الاول كان ينوي الاستوزار وانه اعترض على ذلك. انه الافك في اسوإ صورة. هل يعلم الرجل بنوايا الآخرين؟ ام يستعين بعرافة في خلوته؟ الكاتب الاول للاتحاد اعلن جهارا، وامام اعلى مؤسسة حزبية، انه لا يرغب اطلاقا في الاستوزار ليس هربا من المسؤولية وانما تقديرا لمسؤولياته الحزبية واقتساما للمهام مع اطر الحزب. ثم ان كنت قادرا بالفعل على الاعتراض، فلم لم تتمسك باعتراضك على مشاركة الاتحاد في الحكومة؟ قليل من المنطق.
وعن انتخاب الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب بالرغم من ان عدد اعضاءالفريق لا يتعدى العشرين، عليك ان تسال نفسك وفريق حزبك. لم لم تجرؤوا على تفديم مرشح؟ وما رايك في كفاءة الرجل التي كانت موضوع اجماع نواب الامة؟ وما رايك في ادائه ؟ ان قيمة الاحزاب لا تقاس فقط بعدد نوابها، وانما تقاس ايضا بحضورها في المجتمع وبكفاءة اطرها وعلاقاتها الدولية وراسمالها الرمزي. الاتحاد ياصديقي مدرسة سياسة بعمق وطني راسخ، وقيمة مضافة لاية مؤسسة. ألم تقل يوما انك تود ان « تسخن به كتفك»؟
اقول قولي هذا، واختم بما قاله الامين العام لحزب العدالة والتنمية المحترم : « يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال»، وكذلك النساء.

الكاتب : ‮ عبد السلام الرجواني - بتاريخ : 01/08/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.