‮‬الاتحاد‭ ‬وعشرون‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬العهد‭ ‬الجديد ‭ -4-‬  .. الحفاظ على قدرة استشعار الأزمات وعلى القوة الإصلاحية

عبد الحميد جماهري

شارك الاتحاد في الحكومات التي تلت ذلك، ومنها حكومة عباس الفاسي، من منطلق الاستمرارية في عهد جديد فتح آمالا واسعة، بل أكثر من ذلك أسقط العديد من الطابوهات، وصار إلى عمل عميق من المصالحات الكبرى، موازاة مع التأهيل الاقتصادي والعمراني والمادي عموما، في مغرب لم يعرف إيقاعا مثل هذا من قبل، اللهم إلا في لحظة التأسيس للاقتصاد الوطني وللنسيج الإنتاجي في الستينيات..
وبالرغم من أوضاعه الداخلية، لم تعطل قدرته الاقتراحية، ولا قدرته على استشعار الأوضاع وما يستوجبه من استمرارية في الإصلاح..
وقد بدأ النقاش ابتداء من المؤتمر السابع، في صفوفه، بحدة غير مسبوقة.
ويذكر وبعد الانتخابات وما أدت إليه، كان المجلس الوطني حضنا لنقاش حاد، وخلص النقاش الداخلي إلى وثيقة تقييم الانتخابات ومرحلتها، تم نشرها في جريدة الاتحاد، وقتها قال بعض إخوتنا في الضفاف العديدة للمدرسة الاتحادية واليسارية: لقد انتقدتم أنفسكم بحدة لا نمارس نحن في ممارستكم!
ومرة أخرى أدى الاتحاد من لحمه ودمه، استمراره في عدم تقويض مبادئ الاستمرارية والتعاون والالتزام بمواثيق العمل المشترك، سواء مع الكتلة، أو مع الأغلبية التي رأت النور مع العهد الجديد أو مع فرقاء المرحلة الجديدة..
وكانت المرة الثانية التي يواجه فيها معضلة نادرة في الحركات اليسارية: وجود شروط داخلية وسياسية خارجية تفجر أزماتها داخله، بطريقة لا يكمل كاتبين تاريخيين من كتابه الأولين مسيرتيهما بالاستقالة من المهمة:
عبد الرحمان اليوسفي، محمد اليازغي، يغادران السفينة قبل نهاية ولايتهما، وهوما ندر حصوله في القيادات السياسية المغربية..، ويكشف هول الثمن الذي أداه الاتحاد في المرحلة، لأسباب عديدة ولاشك.
غير أن توالي المراحل الصعبة، وطول التواجد في الحكومة، لم يعصف بقدرة الاتحاد الإصلاحية، ولانال من قوته الاقتراحية لإصلاح أعطاب السياسي والتنظيم السياسي.
ومن حسنات ذلك، أن الاتحاد دخل في تفكير جماعي حول الإصلاحات الدستورية، والسياسية.
ولعله كان الوحيد في ذلك التفكير، كما كان هو مركزه.
وقتها كانت الكتلة الديمقراطية، كأكبر تكتل استراتيجي عرفه المغرب الحديث في الدفاع عن الإصلاحات وهيكلة الممارسة السياسية حولها، موزع المواقف، وتراخت وقوتها المطلبية.
فالاستقلال، مع الأستاذ عباس الفاسي، كان يرى أن المنهجية الديمقراطية التي طالب بها الاتحاد، قد تحققت بتعيينه كأمين عام للحزب الذي فاز بالانتخابات وزيرا أولَ، وبالتالي فلا داعي للبحث عن أحسن مما هو موجود.
في الطرف الإسلامي، كانت المكونات على ضفاف متناقضة: هناك القوة التي ظهرت مع ماي 2003، والتي تكفر المجمتع وديمقراطيته وتسعى إلى تقويض الدولة بالجهاد.
وقوة ثانية تعمل من خارج الحقل السياسي وتؤزمه بمنازعة مركز الدولة في شرعيته الدينية، وهي تعتبر أن النظام كله لا يدخل في منظورها لممارسة التعددية، وعنصر ثالث، دخل الشرعية والقانونية، واعتبر وقتها أن الأولوية هي للتقارب بينه وبين الدولة، وليست الإصلاح الديمقراطي..
طبعا في الضفة اليسارية، كان الموقف من المشاركة، هو المحدد في أي عمل مشترك ممكن في المطالبة بالإصلاح وبالتالي أجَّل الثانويُّ الرئيسيَّ..
القوة الأخرى، اعتبرت حينا أن سقف الإصلاح، يجب أن يتعدى الجهوية أو بعض الوصفات لتفعيل اللاتمركز، وأن الأمور في عمومها جيدة، أحيانا كثيرة.
كان الاتحاد قد بلور جملة من المطالب، ولعل قاعدة التفكير فيها، كان أن انتخابات 2007 أظهرت عجزا في الثقة، وأن هذا العجز لم يمكن لأجندة دستور 1996 أن تملأ ثغراته، بالتالي لا بد من جيل جديد من الإصلاحات السياسية والدستورية.
وقتها كان وحيدا في رفع مذكرة إلى جلالة الملك، وكانت تفاعلات الوضع، هنا وهناك، في الداخل والخارج تسير باتجاهات فرضت على المغرب جولة أخرى من الإصلاحات حقا.

الكاتب : عبد الحميد جماهري - بتاريخ : 09/08/2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.