قراءة في رواية «حين يزهر اللوز» للكاتب محمد أبو العلا

تقع رواية “حين يزهر اللوز” الصادرة مؤخرا عن دار فاصلة 2020 بطنجة للكاتب والناقد المسرحي محمد أبو العلا في 222 صفحة من الحجم المتوسط، وهي عبارة عن محكي شديد البساطة، غزير الكثافة امتطى فيه الكاتب صهوة التخييل متعطرا ببلسم اللوز حين يزهر مجترحا آفاقا رحبة، وأسئلة ظلت مجمدة في ثلاجة الموتى، حيث التسليم/الاستسلام والنهش بنهم وحيوانية دونما تذوق، معيدا من خلال محكيه الباذخ فورة السؤال وناصية النقد، وبراعة التنقيب/والرصد لمادة تاريخية، – طالما تسللت إليها الأيادي السوداء لوأد وهجها، وطمسه-صاهرا إياها بفنية عالية حتى غذت منسكبة بسرد جاف/وارف لتستقر عند نقطة (المجد لك أيها الهامش) لوحة فنية منيعة، تآلفت في تشعباتها سرود تراجيدية عابرة لمدى المدى.
للكاتب منجز إبداعي/نقدي مشرف، ناهيك عن أعمال يمكن وصفها بالأعمال [المابينية] سعى من خلالها إلى بسط صلات التواشج بين عالمي السرد والمسرح، من هذا النوعية نذكر كتاب المسرح والسرد: نحو شعريات جديدة، وكذا الكتاب الجماعي؛ “المنعطف السردي في المسرح: عودة فنون الحكي”. وإن اختلفت الأهداف والنوعيات، فالخيط الناظم بين كل هذه المنجزات وغيرها هو الإبداع. متسلحا في كل هذا بمعرفته العميقة بتفاصيل ما استجد في الساحة المغربية والعربية والعالمية؛ فالكاتب إذن، منذور ليكون مبدعا.
دعونا قبل اقتحام لجة المحكي، أن نقف عند ما يسميه جيرار جنيت بالعتبات؛ أي تلك النصوص الموازية للنص الإبداعي، ولعل أول ما يثير قارئ الرواية هو العنوان باعتباره نافذة مهمة لاقتحام عوالم التخييل، ولكونه كذلك، يشكل مفتاحا إجرائيا يمدنا بمجموعة من المعاني التي تساعدنا في فك رموز النص، ويسهل المأمورية للنفاذ إلى أغواره وتشعباته المنيعة.1 أو كما يعتبره جيرار جنيت، بأنه البوابة الرئيسة للولوج إلى بهو النص الروائي، والتعرف على متاهاته وتلمس أسرار لعبته وإدراك مواطن جماليته…”2
يتموضع العنوان في الرواية منتصبا على منتصف صفحة الغلاف، باللون الأحمر لما لهذا اللون من دلالات قوية كنوع من التنصيص الموازي، المرصود بوعي في عملية التشكيل لدى الكاتب، لذلك فإن أية محاولة لفك شفرة العنوان هي محاولة مستعصية، لأنه أولا، لا يفصح عن مكنونات النص المعطى ولا يشير إلى القضايا المبثوثة في ثناياه إلا من باب التلميح، أي أنه يشكل عقبة ضخمة منسوجة بإحكام ضمن عوامل تاريخية وسياسية وثقافية واجب الوقوف عندها بتأن واحتراس تامين.
فماذا سيقع حينما سيزهر اللوز؟ وما حدود التكهن لما سيقع؟ ما دلالة اللوحة الفنية غير المحددة le flow خلف العنوان؟ ألا يمكن أن نعتبر التوق لعودة الربيع لبلدة المنجم من جديد توقا منتصبا على كف عفريت، زكته ضبابية اللوحة؟ ما دلالة التضاد الناظم بين العنوان والصورة؟ ألا يمكن ربط مصير التوق إلى الربيع الموعود بعد خريف طال أمده بمصير العالية ومصائر كل شخصيات الرواية التي تنتظر قدوم غودو في غياب أية بشائر، وإن ظهرت أعدمت؟
في فصل بعنوان ربيع السلطة يقول السارد إدريس: «لم يحل الربيع بعد، بل حل المخزن بإنزال تشي بطلائعه الألوان الزاهية لأجهزة إنذار سيارات دجيب أحالت أضواؤها المنبسط الثلجي أقواس قزح، إيذانا بفصل قطاف رؤوس قد يكون جبيلو أولها…3 ما علاقة الربيع بالسلطة؟
بهذه الأسئلة وغيرها، تبقى حدود النص كما اعتبرها فوكو مبهمة وخفية؛ كونها تتشابك مع مجموعة من الإحالات النصية الخارجية التي تحددها الأوضاع والسياقات الفكرية والاجتماعية، يقول فوكو في حفرياته: «أن حدود كتاب ما من الكتب ( نص ما من النصوص) ليست أبدا واضحة بما فيه الكفاية وغير متميزة بدقة؛ فخلف العنوان والأسطر الأولى والكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعا من الاستقلالية والتميز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل أخرى؛ مما يجعله ككتاب ( نص) مجرد عقدة داخل شبكة، أو مجرد جزء من كل، وهذه المنظومة من الإحالات تختلف بحسب الأوضاع والمقامات.»4
إن اختيار العنوان ولوحة الغلاف لم يكن اعتباطا بالمطلق، ولا بريئا بالمرة، هذا التعارض بين العتبتين يضعنا أمام مفارقة مزلزلة؛ تتناسل عبرها الأسئلة تلو الأسئلة، ولا مجال للتخفيف من وطأة هذا القلق الذهني إلا بمباشرة القراءة باحتراس تام؛ ولن يهدأ البال إلا ببلوغ فصل ربيع السلطة ليبدأ أفق انتظار آخر، وهكذا تتبدى ميكانيزمات التشويق التي اعتمدت عليها الرواية، وليكتشف القارئ أن الربيع عبور، عبور من مجتمع الرعايا إلى مجتمع المواطنة الحقة، يقول السارد إدريس وهو متوجه إلى المجهول[أما الدواب؛ فكانت توسع الجميع من حين لآخر روثا ساخنا؛ لتتهافت كل شعارات التنمية والجهوية وحقوق الإنسان تحت حافر حيوان.ص12].
إن رواية «حين يزهر اللوز» تجربة إبداعية جديدة، تدخل في نطاق شعريات الأعالي، مستندة في مبناها ببلاغة الترميز والإيحاء والإيجاز، مشكلة سدة منيعة، وصرخة مدوية من قلب عالم الهامش/والمهمشين/والبسطاء، مثيرة جملة من القضايا الكبرى، والأنساق المعقدة الشائكة؛ مثل: جدلية المركز/الهامش، التاريخ، السلطة/المخزن/القيم… حيث توسل الكاتب بعمق الذاكرة والنبش عميقا في سيكولوجية الشخصيات/الذوات لتوليد الأسئلة المفحمة، أسئلة تتداعى أمامها الأقنعة لتسقط تباعا، في عالم معولم يقوده منطق السوق والسوط. فالواقع القاهر في بلدة المنجم الذي أماط عنه السارد إدريس اللثام في علاقاته/وتفاعلاته مع شخصيات الرواية[العالية، جبيلو، رحال، السهلي، ياسمين، العربي ستيامن المقدم علي…] فضح العديد من الممارسات اللاإنسانية؛ وكل مظاهر الشطط في استعمال السلطة، السلطة الماكرة العمياء التي تجرد صاحبها من شعوره الإنساني.
بلغة أرسطية، وببناء محكم، تشكلت مفردات المحكي من انزياحات عن بنى سرود تاريخية، في أجزاء مهمة من الرواية، إيمانا من الكاتب بمدى أهمية التاريخ ودوره في توجيه الحاضر نحو المستقبل؛ وهذا ما جعل الكاتب يطوع اللغة إلى الحد الذي أصبح معه الإيحاء إلى ما حدث في الماضي جزءا يتجزأ من اللحظة الحاضرة، بعيدا عن اللغة التقريرية التي أقصى ما ستصله هو التعبير عن تجربة حياة. ومن مظاهر الإيحاء في الرواية: [استبدال البندقية بالمكحلة] إشارة إلى معركة الهري، ومن ذلك مثلا الحوار الذي دار بين الفاكتور إدريس وياسمين [معذرة سيدتي إن فتحت كوة على ماضيك، أقصد ماضي السهلي فصادفتك؟ (ياسمين) بل أنت من فتحت كوة على مستقبل كان سيؤول إلى ماض لولا رسالتك.] بهذا التكنيك طوع الكاتب لعبة الفن وإمكاناته الهائلة لضبط خيوط العلاقة بين ما هو واقعي وما هو تاريخي بطريقة غير مباشرة.
ناهيك عن الحضور الكثيف للشعر، والغناء، والإيماءة والحركة، والصورة، والمسرحة، وذلك مرده بالأساس إلى خلفية الكاتب المسرحية، على اعتبار أن الكلمة وحدها في المسرح لا تؤدي دورها إلا في تعالقها بتشكيلات أخرى/لغات أخرى كالسينوغرافيا، الضوء، الحركة… كل هذه العناصر والتشكيلات كان لها إسهام واضح في استواء هذا الأسلوب الاحترافي الذي وقعت به الرواية، في تعال تام عن المألوف والمتداول.
ختاما، لا يسعنا إلا الإشادة بهذا المحكي الذي سيشكل إضافة نوعية، محكي سيكون له ما بعده، اعتبارا لكون الكاتب ينحدر من سلالة أبناء الكروم الشرعيين، ونظرا لاشتغاله في مجال النقد أساسا، فإنه قد حاد عن المسار التقليدي الذي تتطفح به العديد من الروايات، مديرا سدة الأحداث من منطلق الوعي بخبرات الماضي استشرافا لبناء خبرات الحاضر، يظهر هذا جليا من خلال سرود موحية تنبش عميقا في الذاكرة/الهوية.. سعيا منه لتحرير العقل المستلب/الخاضع، لاستيعاب الآخر معرفيا/عقلانيا، لانتشاله من دوامة الاحتواء والنفي، عبر نقد منطق السلطة المتعالي/المركز/المخزن/ السلطة/ للتأسيس لأوضاع مغايرة وبشروط بديلة لمحاربة الفساد المستشري، ولتفكيك بنيات الاستبداد وأنساقه… ولا يسعنا إلا أن نردد مع السارد:
[إن الجبل لم يخلق إلا ليكون عاليا، عاليا بالعالية والجبلي وبمن سماهم ليوطي بالبحر الهائج (مغاربة الجبال) رجال سارت بصمودهم الركبان دون أن ينال أحفادهم ما يستحقون من حياة بيننا. ص185] وليعلم من تجرد من إنسانيته متلذذا في جلد العزل، أن الناس لا يستسلمون إذا ما كانوا يتعرضون للضربات، إنهم في الحقيقة يتماسكون على نحو أكثر عنادا وإصرارا5.

(هوامش)
1 – جميل حمداوي(1997) «السيميوطيقا والعنونة»، عالم الفكر، الكويت، مج25، ع23، يناير/ مارس ، ص90
2 جيرار جينيت، (1997) خطاب الحكاية، بحث في المنهج، ترجمة عبد الجيل الأزدي وأخرون، المجلس الأعلى للثقافة،ط2 القاهرة،ص15
3محمد أبو العلا: حين يزهر اللوز ص 74
4- ميشال فوكو: حفريات المعرفة،)1987( ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان ط2، ، ص23
5إدوارد سعيد: الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار الآداب، ط2، 2007، ص24


الكاتب : الحسين الرحاوي

  

بتاريخ : 29/10/2020